Hautأعلى الصفحة
الرئيسية
الأحد 19 نونبر 2017 العدد : 2404

محمد أكديد: هل انتهت داعش فعلا؟

C??EC?E    ?IE? ?I??C    FaceBook      
رأي
| 03 يوليوز 2017 - 17:05

سؤال طرحه الكثيرون بعد أن أعلنت قيادة الجيش العراقي مؤخرا عن قرب تحرير كامل الأراضي العراقية من داعش بعد معركة الموصل الفاصلة، في نفس الوقت الذي تحاصر فيه القوات السورية وحلفاءها ما تبقى من الدواعش في ريف الرقة وحلب..

فهل يمكن أن نتكلم في ظل هذا الوضع الجديد عن نهاية داعش؟

يقال بأنه إذا أردت أن تقتل البعوض فعليك بتجفيف المستنقعات. وداعش ماهي إلا تجل ميداني لأيديولوجيا ملأت العالم الإسلامي خلال العقود الأخيرة ضجيجا بخطابات متطرفة استطاعت أن تشعل الفتن والقلاقل بين أبناء الوطن الواحد، وأن تقدم للإسلام وجها عبوسا منفرا من خلال رؤية ضيقة لمذهب سطحي لا يعترف بالعقل ولا بالآخر.

مذهب استطاع في غضون سنوات وببركات أموال البترودولار أن يفرض وصايته على باقي المذاهب الإسلامية ويبتزها في عقر دارها! بل أن يوجه الكثير من عقائد ومواقف وأحكام الشعوب الإسلامية نحو التطرف والإقصاء والسطحية في غفلة من المسؤولين الذين لم يستفيقوا من سباتهم حتى أصبح يهدد أتباعه أمن واستقرار بلدانهم.

هكذا انتصر الفكر السلفي الوهابي على كل خطابات التسامح والتواصل والوحدة ليجعل من دار الإسلام دار حرب ومشتلا لبث الكراهية، ويعمل على تكريس نمط من التدين المتزمت والذي يفصل في غالب الأحيان أتباعه عن بيئاتهم الاجتماعية والثقافية مما يدفعهم عادة إلى صدامات مجانية مع المحيط في ظل قناعاتهم التي يكونونها في رحم هذا الفكر الإقصائي عموما بفساد عقائد الناس و بدع عباداتهم وطقوسهم لتنمو لديهم الرغبة في تغيير هذا "المنكر" وإعادة بناء الدين على أصوله السلفية الأولى!!

يحكي أبو حفص عبد الوهاب رفيقي1 في مداخلة له خلال إحدى الندوات التي نظمها مركز مدى خلال رمضان 2017، وقد دار موضوعها حول التطرف عن أحد سجناء ملف السلفية الجهادية أن دار القرآن التي كان يتردد عليها لم تعد تكفي طموحه بعد كل تلك المتون التي تم شحنه بها لسنوات لم تتح له خلالها فرصة للانفتاح على فكر مواز نتيجة الخناق الذي تفرضه الأيديولوجيا السلفية على أتباعها. وهكذا فقد بات المعني يتطلع إلى آفاق أرحب لتنزيل تلك الأفكار التي تشبع بها ليجد نفسه يوما يعد العدة للالتحاق بإحدى الجماعات المسلحة في العراق، لينخرط بدوره في وهم تأسيس الدولة الإسلامية!!

هكذا ترعرع التطرف بين ظهرانينا عندما وجد له بيئة فكرية حاضنة، وهو الأمر الذي وفرته الدولة في المغرب لعقود لأتباع الفكر السلفي الوهابي عندما تغاضت عن تفريخ دور القرآن في البوادي والحواضر الكبرى، بل تفريخ أحياء لهم خاصة على الهوامش(دور الصفيح والأحياء الشعبية)، كما تغاضت عن اجتياح دور النشر والمكتبات السلفية للفضاءات الثقافية بكل ربوع البلاد حتى غدا المعرض الدولي للكتاب نسخة مكررة من منتوجاتهم في ظل تناقص دور النشر التي تحمل مشاريع فكرية متنورة عاما بعد عام..

لكن التطرف لا يمكن اختزاله في المشهد السلفي -خاصة وأن هذا الفكر استطاع التأثير بمواقفه على كل التيارات بما فيها تلك التي ترفع شعار الإعتدال والتسامح- إذ يمكننا الحديث اليوم عن تطرف "ناعم" قد لا يستعمل لغة التبديع والتكفير التي يزخر بها القاموس السلفي والتي يجري رشق المخالفين بها في كل حين ولو كانوا أحيانا على نفس المذهب!! لكنه يتستر وراء خطابات ظاهرها الإعتدال والتسامح وباطنها الإقصاء والإستعلاء، وهو ما ينطلي عادة على عامة الناس أو حتى المتعلمين أحيانا ممن لم تسعفهم أدوات التحليل لإدراك الكثير من تفاصيل ومرامي الخطاب الديني الملغوم.

فوراء التباس الأهداف وغموض الغايات لأي مشروع يرتكز في أساساته على الأيديولوجيا الدينية يكمن تكريس مبطن لمواقف الإقصاء والتطرف. وهو ما يمكن لمسه عند جماعات الإسلام السياسي التي تنادي بالحرية والعدالة الاجتماعية وتعارض الإستبداد، لكنها لا تحدد سقفا ولا غاية واضحة لمشروعها السياسي في الوقت الذي أصبح الكل (وبمنطق العصر) ينادي بضرورة التأسيس للدولة الديموقراطية التي تسمح بتداول السلطة وتفعيل آليات للمراقبة وتحديد المسؤوليات بوضوح لربطها بالمحاسبة في محاولة للحاق بقاطرة التقدم والتنمية خاصة بعد التحولات الكبرى التي عرفتها المنطقة بعد أحداث ما سمي (بالربيع العربي)، وفشل مشاريع الإسلام السياسي في الاستئثار بالسلطة في عدد من الدول العربية.

كما ينشأ شباب هاته الجماعات عادة على الكثير من المعاني المثقلة كالإنتماء لأمة إسلامية ليس لها حدود والإستعلاء على الكفار وحلم عودة الخلافة ووراثة الأرض، في تناقض صارخ مع مصطلحات الدولة الحديثة التي تتسم بحدود معينة ورموز متوافق عليها وقوانين يحتكم إليها المواطنون الذين بات يجمعهم الإنتماء إلى الوطن اليوم بأكثر من الإنتماء إلى دين أو مذهب معين.

من جهة أخرى، فإن للتطرف مداخل قد لا يفطن إليها الإنسان العامي ولا حتى المتعلم إن لم يكن من أهل الإختصاص. فقد نسقط في فخ التطرف عندما نضع اجتهادات بشرية لتنظيم وتدبير مجال معين في السياسة أو الإقتصاد كالاشتراكية مثلا (تحقيق العدالة في توزيع الثروة) أو الرأسمالية (تحرير السوق ودعم الملكية الخاصة) أو العلمانية (فصل الدين عن السياسة) في مقابل أديان ومذاهب -ومنها الإسلام- جاءت قبل أن تدخل البشرية عصر الأنوار والفتوحات الفكرية والعلمية والتقنية. أو عندما ننساق الإنسان وراء فتاوى تبدع أو تحرم كل ما استجد من مبادرات أو إبداعات إنسانية تؤثث لمشهد الحضارة المعاصرة التي هي نتاج لكل البشر.

ومن مداخل التطرف و الإقصاء تلك الأحكام الجاهزة التي ابتلي بها المسلمون ضد كل من خالفهم في الدين أو المذهب دون تحقيق في مصادر القوم وأصول عقائدهم وشعائرهم2. أو ضد بعض المباحث الفكرية كالفلسفة التي ورغم الجهود المبذولة في تعريفها وتدريسها مازالت ترتبط لدى الكثير من العوام وحتى المتعلمين أحيانا بالإلحاد والهرطقة ومعاداة الدين!!

مع أن الفلسفة في جوهرها ما هي إلا طريقة لتطوير مناهج التفكير العقلاني والفكر النقدي، ولا يمكن بأي حال من الأحوال وضعها في مقابل الدين. فالفكر البشري مهما اكتمل يبقى متسما بالنسبية في حين أن الأديان تنزع جميعها نحو المطلق. ولايمكن مقارنة نسبي بما هومطلق. أما وجود فلاسفة لا يؤمنون بالمطلق ولا يعترفون بالله (كأكبر تجلي للمطلق) فهو لا يعني أن الفلسفة تدعو إلى الإلحاد، وإلا فإن ابن رشد كان فيلسوفا وفقيها وطبيبا وفلكيا مسلما ومنه تعلمنا أن الحق (الفلسفة) لا يضاد الحق (الدين) وإنما يوافقه ويشهد عليه..

وفي نفس السياق لا يجب إغفال دور المؤسسات الدينية، وفي مقدمتها المسجد لما له من دور كبير في توجيه السلوكات والعقائد لدى غالبية المسلمين، رغم الحديث عن دور الإعلام المتنامي.

عندما كنت صغيرا كان الخطيب في يوم الجمعة يدعو بالنصر والتمكين للمجاهدين في أفغانستان والشيشان والصومال وكلما كبرت زاد الخطيب للمجاهدين رقعة من الأرض حتى أدخلهم بلاد المسلمين فبات يدعو لهم بالنصر والتمكين في كل من سوريا والعراق ولبنان لنكتشف فجأة بأننا كنا ندعو معه لجماعات التكفير والإرهاب بعد أن استفاق العالم مصدوما على فظاعات هؤلاء (المجاهدين/الدواعش) في الأوطان العربية والإسلامية، والذين شوهوا صورة الإسلام والمسلمين في العالم أجمع!!

كما يجب الإنتباه إلى دور البرامج والمناهج التعليمية (خاصة تلك المتعلقة بتدريس الدين) في تكريس بعض الرؤى و الأحكام المتطرفة. فعندما نجزم مثلا بأن المغضوب عليهم في سورة الفاتحة هم اليهود وأن الضالين هم النصارى. وبالتالي فقد رضي الله على المسلمين جميعا (صالحهم وطالحهم) وأفسح لهم جنة عرضها كعرض السماوات والأرض لن يزاحمهم فيها يهودي أو نصراني أو مشرك! يصبح من الطبيعي اجتزاء آيات الجهاد من سياقاتها الزمنية وإسقاط أحكامها على الحاضر مادامت رغبة الله تقتضي أن ينتصر دينه الإسلام على الأرض وأن يرث عباده الصالحون (أي المجاهدون) هذه الأرض خالية من كل أنواع الكفر والبدع!!

وهكذا يتم تسويق الفهم لنصوص معزولة تماما عن سياقاتها التاريخية كآيات الجهاد وتشريع العبودية وملك اليمين وفرض الجزية وتطبيق حدود بعضها لم يرد أصلا في القرآن (كقتل المرتد ورجم الزاني المحصن) وبعضها كان مرتبطا بسياقات خاصة، لم يمنع الشارع من الاجتهاد في مضمونها (إذ هي ليست من أركان الدين في شيء) وإلا لما سكت الصحابة عن وقف عمر بن الخطاب (رض) لحد السرقة، وقد كانوا بعد اقرب إلى عصر الرسالة3..

وحتى أغلب النماذج التي يروج لها كقدوة، هي في غالبيتها شخصيات قتالية بعيدة عن الفكر والإبداع والإختراع بعد أن جرى طمس معظم الأسماء اللامعة في ميادين العلوم والفكر والفلسفة عن قصد أو عن غير قصد4، ليتم تلميع شخصيات لقادة الحروب والمعارك التي سميت بالفتوحات رغم معاناة شعوب من نتائجها5 التي لم تكن توافق في الغالب إلا طموحات بعض حكام المسلمين..

وأخيرا وليس آخرا، فإن هزيمة داعش وغيرها من الجماعات التكفيرية المتطرفة لا يمكن أن تكون نهائية إلا بهزيمة كل أشكال ومظاهر التطرف والإقصاء التي يغذيها اليوم وبقوة الفكر الديني المحافظ خصوصا ذلك الذي يرتبط اليوم بالأطروحة السلفية الوهابية التي تستعمل كل الوسائل والموارد البشرية والمادية الممكنة لبسط نفوذها وهيمنتها على المشهد الديني في العالم الإسلامي.

هوامش:

1 -يبدو أن السيد عبد الوهاب رفيقي (وهو من الشيوخ المحسوبين على تيار السلفية الجهادية سابقا) قد قام فعلا بمراجعات عميقة تستحق التنويه، وقد ظهرت آثارها جلية على مواقفه وأفكاره التي أصبحت أكثر انفتاحا وجرأة.

2- لم تتوقف البروباغاندا السلفية الوهابية عن تكفير الشيعة واستغلال بعض مظاهر التطرف لدى القوم قديما و حديثا، دون التورع عن بث الإفتراءات والأكاذيب على أتباع هذا المذهب الإسلامي بغرض تشويهه خدمة لمشروع طائفي باتت أهدافه واضحة اليوم بعد الحديث عن تقسيم دول في المنطقة بناء على المذهب أو العرق.

3- لنا عودة مفصلة في هذا الموضوع.

4- كان المستشرق الألماني إرنست رينان أول من قدم ابن رشد فيلسوف وفقيه قرطبة إلى العالم العربي الإسلامي مرة أخرى بعد أن طاله التهميش من خلال أطروحته لنيل دكتوراة الدولة "إبن رشد والرشدية" وقد ترجم بعض مؤلفاته المشهورة "كفصل المقال فيما بين الحكمة والشريعة من اتصال" و"تهافت التهافت" من مخطوطات لاتينية وأخرى عبرية بعد أن فقدت كل النسخ العربية الأصلية.

5- كان من أسباب ثورة برغواطة في المغرب الأقصى استبداد ولاة الأمويين واستئثارهم بخيرات البلد، حيث فرضوا ضرائب ثقيلة على البربر وكانوا يرسلون من بناتهم أجملهن لبيت الخليفة في دمشق و يتعاملون معهم باستعلاء.




مواضيع ذات صلة


الاتصال بنا

© جميع الحقوق محفوظة 2011
جريدة إلكترونية مستقلة تصدر عن الشركة kafapresse - S.A.R.L
الإيداع القانوني طبقا لقانون الصحافة والنشر المؤرخ بتاريخ 10غشت 2016: عدد 1 - 017 ص ح
Patente : 25718014 - RC : 104901 - I.F : 3370680 - CNSS : 4111829 - ICE : 001799721000071