Hautأعلى الصفحة
الرئيسية
الخميس 14 دجنبر 2017 العدد : 2429

محمد بنعزيز: اليهود في الحياة والسينما المغربية .. "الوطن قبل الدين"

C??EC?E    ?IE? ?I??C    FaceBook      
رأي
| 22 ماي 2017 - 9:29

دشن الملك محمد السادس، في دجنبر 2016، حي السلام في وسط مدينة مراكش بعد ترميمه وإصلاح شوارعه وأسواقه المغطاة. وقد كان مؤثرا أن عمدة المدينة الإسلامي أطلق اسما مباركا من أسماء الله الحسنى على الحي، الذي يوجد في قلب المدينة ويضم محلات لبيع المنتوجات التقليدية وبازارات ومطاعم... لكن بعد أقل من أسبوع تم إرجاع الاسم القديم للحي؛ وهو "الملاح" أي الحي الذي كان اليهود يقطنونه بالمدينة منذ خمسة قرون، بعد فرار الكثير منهم من الأندلس.

وقد صدر بلاغ لوزارة الداخلية يؤكد أن إرجاع الاسم الأصلي هدفه المحافظة على الذاكرة التاريخية للأمكنة والحفاظ على التراث الحضاري لكل مكونات المجتمع المغربي.

كيف حصل هذا؟

تدخل الملك بداية 2017 بعد أن اشتكى الحاخام رئيس الطائفة اليهودية في مراكش من طمس معالم المدينة، خاصة أن باقي المدن المغربية تحتفظ للحي اليهودي اسمه "الملاح" كما تحتفظ الأزقة بأسمائها العبرية.

تعطي هذه الواقعة فكرة عن تجذر اليهود في المغرب ستين سنة بعد مغادرة أغلبهم للمغرب في اتجاهات مختلفة أهمها إسرائيل بسبب الدعاية القوية للجمعيات الصهيونية؛ بل وزعم المؤرخ الإسرائيلي يغال بن نون حين جاء إلى المغرب أن السلطة في المملكة رخصت لهجرة اليهود لإسرائيل مقابل خمسين دولارا للفرد.

لقد كان اليهود يشكلون حوالي عشر سكان المغرب حسب الرحالة الفرنسي شارل دوفوكو الذي تجول في المغرب في 1884 وحرر كتابه "التعرف على المغرب". وقد شرع اليهود في الهجرة مع الاستعمار الفرنسي، وكانوا حوالي 500000 يهودي أثناء الحرب العالمية الثانية. وقد حفظ اليهود للملك محمد الخامس رفضه تسليم يهود المغرب بناء على قرار حكومة فيشي العنصرية التي تشكلت في باريس، بعد سيطرة أدولف هتلر عليها. وما زال المغرب يستفيد من نفوذ يهوده عبر العالم، ويرجعون إلى البلد بكثرة لزيارات أضرحة أوليائهم وإقامة أعيادهم الدينية..

هكذا تقدم المنصة المراكشية التعدد والتعايش المغربي. تعدد يؤكد أن المغرب أكبر من أن يضعه أيا كان في جيبه تحت ذريعة أسماء الله الحسنى. هذه خلاصة مطمئنة تدفع الدموع إلى عيني. هذا مثال عن قدرة المغرب على امتصاص الصدمات والأزمات في وقت يكتسح فيه الخراب العالم..

وقد تم تناول هجرة اليهود من المغرب في أفلام عديدة؛ منها "فين ماشي يا موشي؟" 2007 لحسن بنجلون عن هجرة اليهود في ستينيات القرن الماضي، وفيلم "عايدة" 2015 لإدريس المريني عن يهودية تعود من باريس لتموت في مسقط رأسها مدينة الصويرة، والفيلم القصير "يما" 2017 لهشام الركراكي عن يهودية تزوجت مسلما دون أن يعرف حتى أولادها، والفيلم الأكثر ضجيجا "تنغير جيروزاليم: أصداء الملاح" 2014 لكمال هشكار.

كانت جل الأفلام تخييلية، بالرغم من اشتغالها بمعطيات تاريخية عن هجرة اليهود بعد استقلال المغرب بينما الفيلم الأخير توثيقي تم تصويره في المغرب وإسرائيل. وقد شحذ الفيلم جدلا عنيفا بين وجهتي نظر متناقضتين بصدد يهود المغرب وصورة البلد. تعتبر وجهة النظر الأولى تصوير الفيلم وعرضه بمثابة خيانة للقضية الفلسطينية وتورطا في التطبيع الثقافي... للإشارة، فإن في المغرب تمييزا حادا بين اليهودي وبين الصهيوني، وقد حفرت فلسطين أخدودا بين يهود ومسلمي المغرب بينما تغذت الحركة الإسلامية معتدلة وجهادية على هذا الأخدود.

التعدد في المجتمع المغربي

أما وجهة النظر الثانية فلا تنظر إلى الشرق الأوسط بل إلى المغرب لكشف التعدد في المجتمع المغربي كحقيقة تاريخية من الخطر تجاهلها. شخصيا، لا أتذكر أني قرأت عن اليهود في مقرر التعليم المغربي طيلة سنوات دراستي العشرين، فقط جدتي كانت تتحدث عن "العطار" اليهودي الذي كان يبيع مواد التجميل في السوق الأسبوعي... الشيء الوحيد الذي عرفته حين كبرت هو كيف يصنع الشباب "الماحيا" أي خمر يهود المغرب "ماء الحياة" يغلون التين المجفف ويضيفون له الكحول... وله مفعول فوري.

وقد كان هذا الجهل بحياة يهود المغرب هو نقطة انطلاق المخرج الذي رجع من فرنسا إلى قريته "تنغير" جنوب شرق المغرب، يستفسر جده عن المنازل الفارغة، فقال له إنها لليهود الذين غادروا البلد. لذلك قرر كمال هشكار تصوير وثائقي عن الموضوع الذي يجهله تماما.

وقفت الصحافة والجمعيات الأمازيغية بقوة في صف المخرج ودافعت عن الفيلم الذي أعاد الاعتبار إلى البعدين اليهودي والأمازيغي وتمازجهما في تاريخ المغرب. هكذا، تكبح الحركة الأمازيغية التشدد العروبي الإسلاموي ذي العين الواحدة الذي يريد توحيد المجتمع بالإكراه ليصير منسجما أملس، ولهذه المحاولة ثمن باهظ كشفه الربيع العربي الأمازيعي الكردي الحوثي القبطي... أقليات ذبحت قربانا للوحدة الوهمية الشاملة.

يضعنا فيلم كمال هشكار في سياق هجرة يهود المغرب قبل 1968 بعين ولسان شيوخ فوق السبعين عاشوا الحدث ويمثلون مصادر حية. وقد قام المخرج برحلة بحث طويلة ليستجوب الأكبر سنا.

يهود المغرب في 1948

يستعيد الفيلم لحظة 1948 وما تلاها من زاوية مغربية ثم السياق الذي صاحب مغادرة اليهود. وبالطبع، أين كانوا وماذا كانوا يعملون وما نظرتهم الآن إلى المغرب كموطن للحنين.

وكان الحلاق العجوز شاهدا عن ستينيات القرن الماضي حين كان يحلق لزبنائه اليهود في مدينة تنغير التي تقع وسط قبائل أمازيغية جنوب شرق المغرب.

كانوا اليهود تجارا مهرة، ويعترف لهم الناس بالتفوق فيها، ولهم قدرة هائلة على توفير التمويل وجلب السلع. كان الأطفال اليهود والمسلمون يلعبون في الأزقة، ويضيف الشاهد أن اليهود كانوا متشبثين بدينهم بشدة، وكانت صلواتهم أيضا تنتهي "آمن" . كان هناك رقص وغناء مشترك في الأعياد والمناسبات الدينية... لكن لا يمكن تزويج يهودية لمسلم. هذه معلومة أساسية لتجنب كل نظرة مثالية للتعايش.

تحدث الشاهد العجوز في تنغير عن وكلاء الصهيونية يحصون اليهود ثم تأتي الحافلات لنقلهم إلى الميناء... وقد اشتدت موجة الهجرة حتى عام 1963 بعد استقلال المغرب... غادر 250 ألف يهودي مغربي إلى الخارج جلهم ذهبوا إلى إسرائيل وفرنسا وأمريكا الشمالية. كان الصهاينة يعدونهم بالعمل والمنزل في إسرائيل..

اليهود المغاربة هناك

لمعرفة أين ذهبوا وكيف هم الآن سافر المخرج بكاميرا إلى إسرائيل للبحث عن يهود من تنغير، فوجد عائشة وجيرانها يتحدثون الأمازيغية والعربية... يحتفظون بألبومات صور بالأبيض والأسود لعلاج الحنين.

كشفت عائشة أنه قد تغير التعامل بعد 1948، لم يعد اليهود والمسلمون يتبادلون السلام حسب عائشة اليهودية التي عاشت في تنغير وتعيش الآن في إسرائيل ولم تغير اسمها. كشف استجواب العجوز عائشة عن عمق الصلات، إذ لم يعرف المغرب حربا أهلية قط... لكن لم يكن هناك أي عنف. وقد قدمت أغنية حزينة عن الكيبوتس الذي رميت فيه..

للاستراحة من الكيبوتس رجع بعض اليهود لترميم مقابر أجدادهم وتعريف أطفالهم بأصولهم... ويشترون أشياء تذكرهم بمهن آبائهم في المنطقة..

يسألهم لم ذهبتم؟ هل كنتم غرباء؟

سأل المخرج الابنة: هل أنت إسرائيلية؟ أجابت: "نعم إسرائيلية". سأل الأم عائشة، فأجابت: "أنا مغربية". سأل شخصا آخر له تعليم عال: هل أنت مغربي أمازيغي إسرائيلي؟ أجاب: "أعيش هنا؛ لكن لا أعرف هويتي بدقة. أنا في حالة صدمة".

مؤرخ يهودي ولد جنوب المغرب قدم رواية توراتية عن الغرباء المؤقتين الذين سيعودون يوما إلى أرض الميعاد. وهكذا، تحققت دعوات الصلاة. كما قدم رواية سياسية: كانت الوطنية المغربية في صف فلسطين. لذلك، فهم اليهود أن عليهم الذهاب. مهاجر آخر أكد: لم تكن هناك لا سامية في المغرب.

فعلا، لكن لم يكن التعايش مثاليا كما يزعم الإعلام الرسمي، كان هناك تعايش صورته نكتة سمعتها في الصويرة عن تاجر يهودي وعشيقته المسلمة التي رحبت بالعلاقة على أن تكون هي دائما فوق التاجر في الفراش لأنها مسلمة. هو قبل الشرط.

ماذا عنت هجرة يهود المغرب بكثافة؟

لقد فتح الفيلم جرحا قديما وأظهر محاولات طمسه أو استثماره حسب موقع كل طرف.

وزن فلسطين في المشهد المغربي

لقد كانت فلسطين قضية سياسية وثقافية لجيلي في الخمس الأخير من القرن العشرين. ومن مظاهر ذلك سحر رسومات ناجي العلي وأغاني مارسيل خليفة وبرمجة رواية غسان كنفاني "عائد إلى حيفا" و"رجال في الشمس" في المقرر التعليمي المغربي... وكان الحسن الثاني يستقبل ياسر عرفات بحفاوة وكانت فلسطين ورقة سياسية بيد الملك وبيد خصومه وهي ورقة ووسيلة تهييج سياسي ...

كثير من الأحزاب المغربية تعتبر فلسطين قضية وطنية، حتى 1991 كان يوم الأرض حدثا ثقافيا ضخما في مدينة تيفلت حيث درست... لقد حفظت محمود درويش مبكرا وهو حاضر في كل المقررات التعليمية لمغربية. في الجامعة كان الطلبة يعيشون فلسطين في دمهم. يرددون "لا عَمان لا إفران قولوا لتجار السلام فلسطين عربية". كانت الانتفاضة الأولى والثانية تعاش في المغرب يوما بيوم... يوم صارت فلسطين فصائل حماس وفتح ومات عرفات تراجع الزخم.

وماذا تعني النكبة وإسرائيل وفلسطين في مغرب اليوم؟ لا تعني الكثير لأن القضايا المحلية طغت وصارت متابعة القمم العربية باردة... وصار خالد السفياني نصير القومية وعدو التطبيع موضوعا للسخرية في جرائد كثيرة.

العلاقة المستمرة مع يهود المغرب

وضع الحسن الثاني سياسة قوية ليحتفظ المغرب بصلة قوية مع مهاجريه، منها الاحتفاظ بجنسيتين وجوازي سفر وأنشطة ودعاية موجهة لهم واستقبال رسمي لممثلي المهاجرين. وقد أثمر هذا. ففي مهرجان وجدة حضر مغربي يهودي غادر المنطقة في 1967 نحو إسرائيل ووقف يتحدث عن زيارته لأضرحة الأولياء اليهود في المغرب. وكان الفيلم القصير "يما" الذي فاز بجائزة المهرجان يحكي عن أرملة تكشف لأولادها على فراش الموت أنها أحبت والدهم المسلم وتزوجته رغم أنها يهودية.... والفيلم مقتبس عن قصة للرسام والروائي ماحي بنبين. المفاجأة أن الأولاد يستطيعون تحمل السر، لكن يما تريدهم أن يدفنوها في المقبرة اليهودية... وحين خلصوا نجيا قرروا أن يما مصابة بالحمى.... لكي لا يتبعهم عار "ولد اليهودية".....

كان الحسن الثاني يفتخر أن لديه أكبر حزب في إسرائيل مكون من 600ألف يهودي من أصل مغربي. وحاليا يبدو اليهود ذخرا للمغرب لكن لم يبد الأمر كذلك في نهاية القرن الماضي. في 2016 حول اليهود المغاربة في إسرائيل 300 مليون دولار للمغرب. صار بإمكانهم زيارة المغرب بسهولة. في رمضان تباع تمور إسرائيلية في الأسواق.

عادة تفتخر الصحافة العربية بلغة ملتوية بالتعايش المغربي وتفتخر الصحافة الفرانكوفونية والأمازيغية بصراحة باليهود من أصل مغربي، تفتخر بشخصيات مثل شلومو بن عامي وأندري أزولاي مستشار الملك وابنته التي صارت وزيرة للثقافة في فرنسا... تفتخر بعامير بيريس الذي زار المغرب تحدث عن الملك محمد السادس قائلا "سيدنا"... تتحدث عن جوزيف شتريت ملك العقار في نيويورك الذي لم يغادر المغرب إلا في تسعينيات القرن الماضي... تفتخر بسيون أسيدون الذي يعرف نفسه بأنه مغربي يهودي وليس يهودي مغربي. الوطن قبل الدين. حاليا يعمل رئيس اليهود المغاربة في نيويورك سفيرا متجولا للملك... وفي باريس يضحك جاد المالح الفرنسيين ويدعوهم لزيارة مراكش.




مواضيع ذات صلة


الاتصال بنا

© جميع الحقوق محفوظة 2011
جريدة إلكترونية مستقلة تصدر عن الشركة kafapresse - S.A.R.L
الإيداع القانوني طبقا لقانون الصحافة والنشر المؤرخ بتاريخ 10غشت 2016: عدد 1 - 017 ص ح
Patente : 25718014 - RC : 104901 - I.F : 3370680 - CNSS : 4111829 - ICE : 001799721000071