Hautأعلى الصفحة
الرئيسية
السبت 18 نونبر 2017 العدد : 2403

مؤتمر "الأحرار" .. إنهاء جبر الخواطر ومحطةٌ لرسم المسار

C??EC?E    ?IE? ?I??C    FaceBook      
ميلود بلقاضي
تحليل
| 18 ماي 2017 - 8:26

تعاني الدراسات والأبحاث الجادة في موضوع مؤتمرات الأحزاب السياسية – بالمغرب- من ندرة قاتلة، لأسباب متعددة، منها اعتقاد الكثير من الباحثين أن عقد المؤتمرات الحزبية مجرد عملية تجمع قيادات وهياكل ومناضلي الأحزاب في زمن سياسي عابر؛ في حين أن عقد هذه المؤتمرات لحظة حاسمة ومؤثرة في مسار مستقبل الأحزاب وتحديد معالم مستقبلها السياسي. وهذا ما ينطبق على المؤتمر السادس لحزب التجمع الوطني للأحرار الذي ينعقد في سياق دقيق وطنيا وقاريا ودوليا، تحكمه تحديات ومتغيرات سياسية كبرى .

سياق عقد المؤتمر:

يعقد هذا المؤتمر في سياق وطني سياسي شعاره العريض العبث والتيه والانبطاح والتصدعات الداخلية الحزبية، فجل الأحزاب الأساسية بالمشهد الحزبي –البيجيدي والاتحاد الاشتراكي والحركة الشعبية والاستقلال- خرجت منهوكة ومأزومة ومهزوزة ومهزومة بين محطة ما بعد نتائج الانتخابات التشريعية ومحطة بعد تشكل حكومة العثماني، باستثناء حزب التجمع الوطني للأحرار الذي خرج منتصرا على أكثر من صعيد، خصوصا بعد انتخاب عزيز أخنوش رئيسا له، والذي فهم أن مواجهة قوة حزب العدالة والتنمية لن تنجح بآليات التحكم والتدخل والتزوير ومواجهته بإمكانيات الدولة، بل بآليات التنظيم والانضباط ونهج سياسة القرب وتكافؤ الفرص والدمقرطة الداخلية والاستثمار في الموارد البشرية المناضلة الحقيقية؛ وأيضا في سياق إقليمي أفرز وصول ايمانويل ماكرون، السياسي الشاب، إلى رئاسة الجمهورية الفرنسية، قاهرا بذلك أحزاب اليسار واليمين التقليدية الفرنسية؛ وأيضا في سياق دولي أصبحت معادلته الحزبية تتميز بانهيار الأحزاب الأيديولوجية مقابل صعود الأحزاب الوطنية والقومية.

دلالات وأبعاد شعار المؤتمر:

اختار الحزب "هنا يبدأ المسار" شعارا لمؤتمره الوطني السادس بمدينة الجديدة، أيام 19/20/21 من الشهر الجاري. ويشكل هذا الشعار جملة تقريرية قوتها الدلالية مستمدة من كلمة المسار المنتمية إلى معجم الأحزاب اليسارية، وهي كلمة لها حمولة سياسية مفادها أن محطة المؤتمر السادس للحزب هي بداية لمسار حزبي سياسي جديد وقطيعة مع محطات مؤتمرات الحزب السابقة شكلا ومضمونا، بسبب رهان قيادات الحزب على جعل الحزب رقما صعبا في الانتخابات التشريعية المقبلة ولما لا ترؤس حكومة 2021 ووضع حد لهيمنة حزب البيجيدي على الانتخابات؛ والذي يمر - اليوم- بزلزال سياسي من المنتظر أن تتقوى تداعياته في حالة اعتزال بنكيران السياسة ومغادرة سفينة قيادة حزب العدالة والتنمية، الذي تؤكد كل المؤشرات أنه دخل مرحلة التراجعات والتصدعات والتطاحنات التي ستكون كلفتها باهظة انتخابيا وسياسيا عليه قبل انتخابات 2021.

الثابت والمتغير في المؤتمر:

سيلاحظ الباحث المقارن لطريقة تنظيم المؤتمر السادس لحزب التجمعيين مع مؤتمراته السابقة أن المؤتمر السادس قام بقطيعة مع ثوابت المؤتمرات السابقة، وإدخال تغييرات جوهرية مست نظامه الأساسي وتشكيل أجهزته المحلية والإقليمية والجهوية والمركزية والقوانين المؤطرة للحزب :

قانونيا: عرف النظام الأساسي المؤطر لمؤتمر السادس تعديلات جوهرية، أهمها: أ- إدخال تعديلات على مجموعة من مواده، نذكر من بينها المادتان 25 و26 المتعلقان بصلاحيات وتجديد الأجهزة والهيئات الجهوية على صعيد كل جهات المملكة، واعتبار المؤتمر الجهوي أعلى هيئة تقريرية على صعيد الجهة. ب-المادة 33 المتعلقة بتحديد وتوسيع صلاحيات المؤتمر الوطني، خصوصا بالنسبة لتحديد التوجهات والخيارات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية والبيئية للحزب؛ المصادقة على التقريرين السياسي والمالي؛ المصادقة على النظام الأساسي للحزب والتعديلات التي يمكن أن تلحق بها - المصادقة على برنامج الحزب - انتخاب رئيس الحزب. ج- المادة 34 المتعلقة بإدخال تعديلات جوهرية وشجاعة على تشكيلة المجلس الوطني وتخفيض عدده من 800 عضو إلى 200 عضو يتم انتخابهم من قبل مؤتمرات العمالات والأقاليم، إضافة إلى أعضاء بالصفة. ه- المادة 35 وتتعلق بتخفيض عدد أعضاء المكتب السياسي المنتخبين إلى 20 عضوا يتم انتخابهم من طرف المجلس الوطني. د- المادة51 التي تنص على تحديد المنظمات الموازية للحزب، وهي بالخصوص: منظمة الشبيبة التجمعية- منظمة المرأة التجمعية- المنظمة الوطنية للمنتخبين؛ منظمات المهنيين التجمعيين: المهندسون والمحامون والمعلمون والأطباء والصيادلة والمحاسبون والصحافيون، والتجار والصناع والصناع التقليديون إلخ. - جمعية الحمامة للتربية والتخييم.

سياسيا: يعد انتخاب عزيزا أخنوش رئيسا للحزب محسوما منذ المؤتمر الاستثنائي الأخير ولا حاجة لإعادة انتخابه في المؤتمر السادس. ب- الحسم في انتخاب أعضاء المجلس جهويا وتقليص عددهم إلى 200 عضو، وهو قرار شجاع ومنطقي. ج- انتخاب المنظمات الموازية للحزب وإخراجها للوجود: هي بالخصوص: منظمة الشبيبة التجمعية- منظمة المرأة التجمعية- تعيين رؤساء الجهات مركزيا وانتخابهم جهويا من عيار ثقيل ولهم تكون عال وتراكمات في تدبير السياسات العمومية- هيمنة الوزراء التجمعيين على قطاعات حكومية ذات أبعاد اقتصادية ومالية – تشكيل فريق برلماني قوي مع حزب الاتحاد الدستوري- الاقتناع بمنهجية سياقة القرب وخدمة المواطن – تقوية الحزب بنخب جديدة أكثر براغماتية جهويا ومركزيا.

مؤتمر القطيعة مع ثقافة جبر الخواطر وتحكم الكائنات الانتخابية:

يلاحظ المتتبع لمحطات الاستعداد للمؤتمر السادس لحزب التجمع الوطني للأحرار إرادة القيادة الجديدة القيام بالقطيعة مع ثقافة جبر الخواطر ووضع نهاية لتحكم بعض رجالات المال والأعيان والكائنات الانتخابية في الحزب عبر فرض تواجدهم بأجهزته وهياكله الوطنية والجهوية والإقليمية والمحلية بآليات غير ديمقراطية وغير شريفة؛ لذلك اعتمد الحزب بطاقة التصويت الذكية لاختيار ممثليه للمؤتمر الوطني لإبعاد حراس المرحلة السابقة؛ ولجعل محطة المؤتمر السادس محطة مسار جديد تنظيميا وتدبيريا وديمقراطيا، تستجيب لتطلعات المرحلة وتواجه تحدياتها وتؤهل الحزب ليلعب دورا أساسيا في انتخابات 2021.

مؤتمر تطلعات وتحديات الحزب:

أ- التطلعات: الالتزام بالمقتضيات الدستورية، خصوصا ما جاء به الفصل 7 والفصل 11 الذي اعتبر الانتخابات الحرة النزيهة والشفافة أساس مشروعية التمثيل الديمقراطي- احترام مقتضيات القانون التنظيمي للأحزاب، خصوصا ما جاء في بابه الثالث المتعلق بمبادئ تنظيم الأحزاب السياسية وتسييرها، إذ دعت المواد 27 و25 و28 إلى وجوب تنظيم الحزب على مبادئ الديمقراطية والشفافية والمسؤولية والمحاسبة وتكافؤ الفرص في طريقة مسطرة اختيار مرشحين نزهاء وأكفاء وأمناء، قادرين على القيام بمهامهم التمثيلية – تدبير محطة المؤتمر وما بعدها وفق مضامين النظام الأساسي والقانون الداخلي للحزب – مأسسة ودمقرطة وتسيير شؤون وأجهزة وهياكل ومنظمات الحزب وربط المسؤولية بالمحاسبة – تداول النخب على تدبير الحزب وأجهزته- تأهيل الحزب ليصبح حزبا مؤسساتيا ومستقلا عن أجندة الدولة لإقناع الرأي العام بأنه أصبح بالفعل حزبا لا علاقة بظروف نشأته الأولى كحزب إداري، بل كحزب مؤسساتي حداثي وديمقراطي.

ب- التحديات: يدرك المتأمل في شعار المؤتمر "من هنا يبدأ المسار" وعي المسؤولين عن الحزب بالتحديات الجسيمة أثناء وبعد المؤتمر، والتي نوجزها في ما يلي: - تحديات تنظيمية: تعتبر هذه التحديات من أكبر وأخطر القضايا التي تعاني منها جل الأحزاب المغربية- باستثناء حزبي العدالة والتنمية والاستقلال بدرجات نسبية -وعلى رأسها حزب التجمع الوطني للأحرار المعروف بضعف التنظيم؛ ويتجسد ذلك في كونه حزبا كميا وليس كيفيا

– تحديات الانضباط والالتزام: يعاني الحزب من ضعف كبير على مستوى انضباط مناضليه محليا وإقليميا وجهويا ووطنيا لمبادئ قوانينه والتشبث بقيمه وتحويلها لإجراءات عملية أثناء الاستحقاقات الانتخابية الخ- تحديات الحضور الباهت لتنظيمات الحزب على كل المستويات محليا وجهويا وطنيا- تحديات ضعف مؤسساته الإعلامية وندرة تأثيث نخبه المجالات الحقوقية والمدنية والثقافية والإعلامية.

عزيز أخنوش والتاريخ وحزب التجمع:

الأكيد أن رئاسة رجل أعمال لحزب التجمع في هذا الوقت بالذات لن تكون سهلة، لكنها ليست بالمستحيلة؛ لذلك ستتجه كل الأنظار نحو محطة المؤتمر السادس الذي يعقد تحت شعار جذاب ومثير "من هنا يبدأ المسار" لمعرفة القيمة المضافة للرجل في تدبير شؤون حزب ظلت صورته عند الرأي العام مرتبطة بالدولة وبأجندتها، وإن أصبحت هذه الصورة متجاوزة اليوم، وهو ما يدركه -جيدا- السيد أخنوش المقتنع بأن له موعدا مع التاريخ ومع حزبه ليصبح حزبا مستقلا وديمقراطيا يقوم بأدواره المنوطة به دستوريا وقانونيا وفق خطة إستراتيجية تتجاوز انتخابات 2021، خصوصا بعد نجاح تجربة ايمانويل ماكرون بفرنسا؛ وهو الخبير الاقتصادي والمالي الذي هزم البرامج الانتخابية الإيديولوجية لأحزاب اليسار واليمين الفرنسية ببرامج تنموية واقتصادية؛ وهو ما يتميز به حزب التجمع الوطني للأحرار عن باقي الأحزاب المغربية الأخرى، والمشهود له بتوفره على نخب مهمة من رجال المال والاقتصاد والتدبير.

بصفة عامة يعتبر المؤتمر السادس لحزب التجمع الوطني للأحرار محطة تاريخية لرسم الخطوط العريضة لخارطة الطريق الخاصة بإعادة هيكلة الحزب، وإعطائه دينامية طموحة غايتها ممارسة السياسة بشكل آخر لمحاربة الأعداء الحقيقيين للخيار الديمقراطي المغربي، وهم الفساد السياسي والبطالة والفقر والتهميش واليأس؛ لذلك نقول: هل سينجح السيد أخنوش في مهمته التاريخية لجعل حزب التجمع الوطني للأحرار حزب المؤسسات والدمقرطة وتكافؤ الفرص والحكامة الجيدة ونهج سياسة القرب لتحديد المسار الجديد، أم أنه سيخلف الموعد والتاريخ ويضيع فرصة تاريخية أخرى لتصحيح مسار حزب وطني يمكن أن يكون قدوة لأحزاب سياسية أخرى في زمن هيمنت فيه الشعوبية والردائة السياسية؟.

إنها مهمة صعبة أمام السيد أخنوش لكنها ليست بالمستحيلة.

أسئلة ستجيبنا عليها الأيام المقبلة

*أستاذ التعليم العالي بكلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية اكدال الرباط




مواضيع ذات صلة


الاتصال بنا

© جميع الحقوق محفوظة 2011
جريدة إلكترونية مستقلة تصدر عن الشركة kafapresse - S.A.R.L
الإيداع القانوني طبقا لقانون الصحافة والنشر المؤرخ بتاريخ 10غشت 2016: عدد 1 - 017 ص ح
Patente : 25718014 - RC : 104901 - I.F : 3370680 - CNSS : 4111829 - ICE : 001799721000071