Hautأعلى الصفحة
الرئيسية
الجمعة 17 نونبر 2017 العدد : 2402

المغاربة يرهنون "راحة البال" بالرجوع إلى الدين

C??EC?E    ?IE? ?I??C    FaceBook      
جواد مبروكي
قضايا
| 02 أبريل 2017 - 9:01

المشكل ليس في "الدين كحقيقة جوهرية"؛ ولكن في عملية "الرجوع"، لأنها مرتبطة بحركة فيزيائية تتطلب أولا التوقف عن الحركة ثم القيام بحركة نصف دائرية 180° ثم الحركة إلى الوراء والرجوع إلى الخلف يعني التوقف عن الحركة نحو الأمام.

ألاحظ في جل الحوارات أو في الكثير من التعليقات على مقالاتي العبارات الآتية: "الابتعاد عن الدين هو سبب هذه العلل في المجتمع" أو "لْوْكانْ نْرْجْعو لأحكام الدّينْ مَيْبْقاوْشْ هادْ المشاكل كُلها" على أساس أنه من جهة كل المغاربة لهم دين واحد، ومن جهة أخرى لا يطرح المغربي السؤال: "لماذا ابتعد الناس عن الدين؟"؛ لأن الجواب سبق أن رُسخ في ذهنه منذ صغره أن من واجبه تغيير المنكر و"يْرْدّْ الناس للطّْريقْ"، لأنه تعلم أن الفرد يبتعد عن الدين لأنه "تّْعْمَا أو لْعْبْ بِهْ الشيطان أو الغرب وفقد النظر والإيمان"، ولم يتعلم أبداً ثقافة التساؤل في الدّين نفسه لأنَّها في المنظور الاجتماعي من المحرمات بل تجده دائماً يُسقط الخطأ على الفرد وهذا المنهج التفكيري خطير جداً وسأعرض عليكم تحليلي لهذه المسألة.

المشكل الآخر في "الرجوع إلى الأحكام" ولا يطرح المغربي هذا النوع من الأسئلة مثلاً "هل من المعقول أن يبتعد الإنسان عن الحلول البديهية ويسعى وراء المشاكل حباً فيها؟" أو "هل من الحكمة أن نترك الوسيلة السهلة ونختار الشاقة؟". بطبيعة الحال، لا يطرح هذه الأسئلة؛ لأنه يراها بعيدة عن الدين (الأحكام). ومع الأسف، هي التي تسمح لنا أن نحلل ما نُفتيه ببساطة على الآخرين بدون أي مراجعة أو تساؤل.

في سُنَّن الكون والطبيعة لا رجوع إلى الوراء، وكل "رجوع" يتسبب في الهلاك، والرجوع يكون مخالفاً للطبيعة؛ لأنه عكس "التطور والسير إلى الأمام" والسعي إلى الرجوع زمنياً وفكرياً إلى الوراء هو سبب التطرف والتعصب وما نراه من مآس في العالم. ليس من الإمكان أن نرجع أكثر من ألف سنة إلى الوراء! لم نر في تاريخ الإنسانية، أبداً منذ خلقها، رجوعاً إلى الوراء؛ لأنه أمر غير طبيعي ومهلك. هل بالإمكان أن ترجع الإنسانية مثلاَ إلى العصر الحجري؟ أليس هذا من المحال؟ لنتصور لو أردنا أن نرجع 50 سنة فقط إلى الوراء ونحذف فقط الهاتف المحمول والإنترنيت كم سيكون لنا من أتباع يؤيدون الفكرة أو حتى يقبلون تجربتها ولو ليوم واحد؟ لاحظوا ما بين أياديكم وأنتم تقرؤون هذا المقال!

فلماذا حينما يتعلق الأمر بالفكر وحداثته وبِالأسرة وبالحقوق وبالمساواة بين الجنسين وبالحرية العقائدية وبكرامة الإنسان وإنصاف المرأة نسرع باقتراح العودة إلى الوراء وإلى أساليب وطرق لم تعد مسايرة لأوضاعنا الحالية ونريد تشغيلها، رغماً عن متطلبات وإكراهات الواقع الفعلي لإيجاد الحلول لمشاكلنا الاجتماعية والإنسانية والتي لا علاقة لها بمشاكل القرون الماضية كأن الرجوع إلى رضاعة حليب الأم عند راشد بالغ يشتكي من سوء التغذية ونقص الحنان سيحل مشاكله الحالية، وهل هذا من الممكن تطبيقه أصلاً؟

إن الحل ليس في الرجوع إلى الماضي بل في التقدم نحو المستقبل؛ فعوض ما يلتجئ المغربي إلى التفكير والمشاورة في كيفية إيجاد حلول جديدة تنسجم مع وقتنا الحاضر يختار الرجوع إلى معبد الماضي متوهماً أنه سيجد فيه الحلول السحرية الجاهزة! ولماذا لا يرجع بدون فرض هذا على الآخرين؟

أليس الرجوع إلى الوراء هو شكل من أشكال الهروب القاتل، ودليل على ضعف مستوى النضج في مواجهة الصعوبات، وشاهد على غياب القدرة على تحمل المسؤولية؟

إن المشكلة الجوهرية هي أن هذه الأساليب القديمة لم تعد كافية لمتطلبات عصرنا. ولهذا، تركها جل الناس وابتعدوا عنها؛ ولكن بما أن ذهنية المغربي مبرمجة منذ صغره على طريقة التفكير القائمة على التقليد وعدم إعمال العقل في المجال الديني إلى درجة التعصب ورفض فكرة "انتهاء صلاحية بعض الأساليب والطرق التقليدية، خصوصاً إذا كانت لها صبغة دينية ولو شكلية"؛ وهو ما يجعل هذا الفرد يتشبث بالأحكام المسبقة الجامدة والمدمرة لوحدة الإنسانية في تنوعها. كما تجده متشبعاً بقناعات وهمية تجعله يرى أن كل ما يتعلق بـالمناهج القديمة صالحة لكل العصور ولكل الأمكنة بدعوى أنها سبق أن جربت من أجداد الأجداد وحققت إنجازات تاريخية عظيمة. ولهذا، نرى مظاهر العنف في السلوك التطرفي النهج في رَدِّ المجتمع، بالرغم عنه ولو بالإكراه إلى القرون الماضية.. وهذا في الأصل ضد روح وجوهر الدين الصحيح، وكم سبب الكثير من الكوارث والمهالك.. والأمثلة كثيرة، سواءً في مجتمعنا أو خارجه، كما نراه واضحاً جلياً في ممارسات بعض المنظمات المتطرفة التي تصل حد الجنون.

ويمكننا أن نوضح هذه الفكرة في مثال مادي بسيط؛ فمثلاً بعد انتهاء صلاحية محرك السيارة وتركها من لدن صاحبها نسرع إلى اتهام هذا الأخير بالتقصير ونزعم بـأن سيارته في كامل الصحة وهو السبب في إعطابها بابتعاده عن قيادتها ونرغمه على الرجوع إليها معتقدين قطعياً أنه بمجرد قيادته لها ستعود تلك السيارة بقدرة عجيبة إلى حركتها الطبيعية وتنقله أينما شاء بسرعة طائرة الكونكورد الى أبد الآبدين بدون أي عطب أو حادث!




مواضيع ذات صلة


الاتصال بنا

© جميع الحقوق محفوظة 2011
جريدة إلكترونية مستقلة تصدر عن الشركة kafapresse - S.A.R.L
الإيداع القانوني طبقا لقانون الصحافة والنشر المؤرخ بتاريخ 10غشت 2016: عدد 1 - 017 ص ح
Patente : 25718014 - RC : 104901 - I.F : 3370680 - CNSS : 4111829 - ICE : 001799721000071