Hautأعلى الصفحة
الرئيسية
الخميس 23 نونبر 2017 العدد : 2408

حكومة العثماني .. تشبيك أم تشكيل؟

C??EC?E    ?IE? ?I??C    FaceBook      
رمضان مصباح الإدريسي
تحليل
| 30 مارس 2017 - 14:31

توطئة لغوية

التشبيك: ورد في لسان العرب: "الشَّبْكُ: من قولك شَبَكت أصابعي بعضها في بعض فاشتبكت، وتشبَّكت. والشِّبكُ الخلط والتداخل؛ وفي الحديث: إذا مضى أحدكم إلى الصلاة فلا يَشْبِكن بين أصابعه، فإنه في صلاة.. تشبيك اليد كناية عن ملابسة الخصومات والخوض فيها؛ واحتج بقول الرسول صلى الله عليه وسلم، حين ذكر الفتن: فشَبَّك بين أصابعه وقال: اختلَفوا وكانوا هكذا.. تشبَّكت الأمور وتشابكت واشتبكت: التبست واختلطت. طريق شابِك: متداخل ملتبس مختلط .. والشابك من أسماء الأسد وأسد شابك مشتبك الأنياب، مختلفها. شبكت النجوم واشتبكت وتشابكت: دخل بعضها في بعض واختلطت"..

التشكيل: الشَّكلُ بالفتح: الشِّبه والمثل، والجمع أشكال وشُكول. تشاكل الشيئان، وشاكَل كل واحد منهما صاحبه تشابها. تقول هذا على شكل هذا، أي على مثاله. وفلان شَكْل فلان، أي مثله في حالاته. وهذا أشكل بهذا أي أشْبَهُ. والمُشاكلةُ والتَّشاكل: الموافقة. والشاكِلة، الناحية والطريقة؛ وفي التنزيل العزيز:" قُلْ كُل يعمل على شاكلته". وتَشَكلَّ الشيء تَصَور، وشَكَّله صَوَّرَهُ"..

******

يبدو جليا الآن أن اللغة الفصيحة تميز بين التشكيل والتشبيك؛ الأول يتضمن معاني المشابه والمماثل والموافق؛ في حين يغطي الثاني دلالات الخلط، التداخل، الاختلاف والالتباس..

خمسة أشهر من التشكيل:

اشتغل فيها بنكيران مشكلا للحكومة؛ أي باحثا عن تحالف تجتمع فيه الأحزاب المتوافقة والمتشابهة والمتماثلة؛ ليس انطلاقا من برامجها السياسية المعلنة، كما يقع في سائر الديمقراطيات، حيث يعلم المواطن مسبقا كل مآلات صوته الانتخابي، حينما يتراكم مع غيره من الأصوات ليصنع نصرا، مستحقا لبرنامج هذه الجهة أو تلك؛ وحيث يُمَكَّن، منذ الإعلان عن البرامج السياسية في الحملات الانتخابية، من معايير المحاسبة مستقبلا.

لا، لم يكن هذا أبدا هَمُّ بنكيران وهو يسعى إلى تشكيل الحكومة؛ وإلا ما تحالف، منذ مبتدأ الولاية الحكومية المنتهية، مع حزب التقدم والاشتراكية – وأصر على تكرار التجربة- الذي ينسف كل أطروحته "الدينيسياسية"..

بالرغم من عدم التوافق والتشابه والتماثل في البرامج، انعقد هذا الزواج الكاثوليكي بين الحزبين؛ وهو ما يعني أن سياسيينا يشتغلون وفق معايير أخرى غير التي يعلنون عنها في عقائدهم الحزبية، وأثناء الحملات الانتخابية.

ما الذي يجعل بنكيران يقسم ألا يدخلنها عليه إدريس لشكر، الحامل للواء الفكر الاشتراكي الحزبي في المغرب؛ ولو ظاهريا فقط؟ أليس حريا بمن يقبل بالفكر الشيوعي في الحكومة، أن يسارع، من باب أولى، إلى استقطاب أخف "الضررين"؟

وعليه، فابحثوا عن مرتكزات أخرى فَعَّلها بنكيران في سعيه إلى تشكيل الحكومة؛ وهو السعي الذي كان دونه خرط القتاد؛ وسيظل تجربة سياسية مستحدثة في بلادنا، كآلية – على هامش الدستور - لضبط المصلحة العليا للبلاد؛ حينما تصبح الانتخابات - في غياب النضج السياسي لأغلب الناخبين، ومشاركتهم المكثفة - مشكلا وليس حلا..

يمكن اعتبار هذه الآلية "التصحيحية" شكلا متطورا لما سماه شيخ اليسار الأستاذ عبد الرحمن اليوسفي "انقلابا على المنهجية الديمقراطية". كان التوافق غير الديمقراطي مجرد مدخل ارتضاه المرحوم الحسن الثاني، نهجا للوصول إلى الاستحقاق الديمقراطي الانتخابي. لكن لما حاز الرجل حق تشكيل الحكومة، انتخابيا، ارتأت المؤسسة الملكية تفعيل نهج آخر، له تبريراته.(لكل زمن رجاله).

أما الأستاذ عبد الرحمان اليوسفي فاختار وضع حد لنشاطه السياسي المباشر، وغادر الوطن.

أما المُخَلَّفون، من رجاله في حكومة الأستاذ إدريس جطو، فلم يُقصروا، ربما لا إراديا، في إضعاف الحزب، والانتقال به من وضع العمدة في الساحة السياسية الوطنية إلى وضع الفضلة، إذا استعرنا تعبير النحاة.

طبعا، آلية التصحيح توجد دائما بيد الملك، وقد مرت، فيما يخص الانقلاب على "الانقلاب على المنهجية الديمقراطية" بمراحل:

* وجود الأستاذ اليوسفي، مُرحبا به ضمن الوفد الذي رافق الرئيس الفرنسي فرانسوا هولاند أثناء زيارته الرسمية للمغرب.

*ثم بعد هذا تكليفه بقراءة الرسالة الملكية المتعلقة بالشهيد المهدي بنبركة، والموجهة إلى أقطاب اليسار والمواطنين عموما. (كان هذا تصالحا ليس مع الحاضر اليساري فقط، بل مع تاريخه أيضا).

ثم وصولا إلى القُبلة الملكية الشهيرة لرأس اليوسفي -وهو طريح فراش المرض- التي تقول ما يقوله الابن لوالده في ظروف الحرج: القادم أفضل، و"عفا الله عما سلف". طبعا، لها مدلول يختلف كلية مع ما أراده بنكيران منها، ذات بحث عن السند المالي المقاولاتي لحكومته).

لكن هذه الـ"عفا الله عما سلف " ملكية، سامية العطاء؛ ومن بناتها تيسير رئاسة البرلمان، والحرص على أن تتسع الحكومة لإدريس لشكر، بالرغم من كل تضاريسه الوعرة.

كل هذا أقصاه بنكيران من اعتباراته، وهو يعترض على إدريس لشكر لشخصه، وليس لعقيدته، كما أسلفت.

من مرتكزات بنكيران، وهو يشكل الحكومة حرصه – في خروج تام عن روح الدستور- على توفر حكومته على مضادات الصواعق، حتى تُنسي المؤسسة الملكية في زلاته، وتلطف من كبواته وتهوره اللفظي مستقبلا. ما أكثر ما يُتوقع منه الزلل لمرجعيته الفكرية اللاعقلانية، ولعفوية نطقه وشعبويته التي قطعت مع معاجم الدبلوماسية.

ومنها أيضا إبراز أنياب العطب؛ من خلال استغلال الظرف الدولي والإقليمي للتهديد المبطن للأمن العام المغربي، وليس السياسي فقط؛ وهذا يبدو جليا في الكثير من تصريحاته وخطبه التي لا ترتاح لها حتى القراءة السياسية المدنية، فكيف بالقراءة المخزنية التي تمتح من موروث راسخ من الرصد والترقب والحذر؛ إضافة طبعا إلى الاختصاصات الملكية ذات التعلق بصيانة الدولة والمؤسسات، المنصوص عليه دستوريا؟

ولكم أن تعجبوا من الجمع بين هذا السعي المحموم في مغازلة شخص الأمين العام لحزب التجمع الوطني للأحرار -وليس كفاءات حزبه كما ادعى – وبين ادعاء حماية المغرب من تداعيات الربيع العربي.

إن الحامي من الخارج يحتاج هنا إلى حماية في الداخل؛ فهل يغيب كل هذا عن النظر المخزني الذي لا يعني لديه القبول بوضعية المحمي سوى السقوط.

ومهما يكن فالرجل سعى إلى تشكيل الحكومة، بالمفهوم اللغوي للتشكيل؛ لكنه بنى نهجه على مرتكزات، من خارج الدستور، وبعيدا عن الجاري به العمل في الدول الديمقراطية؛ حيث المعيار الوحيد هو تشابه برامج الأحزاب المخاطبة بالاستوزار، أو تقاربها وتكاملها.

تمثل الرئاسيات الفرنسية، حاليا، النموذج لهذا المنحى؛ وقبلها تعطل تشكيل حكومة راخوي، في إسبانيا، لتدافع حاد بين برامج الفرقاء، وليس المصالح السياسية أو الشخصية الضيقة.

إن تشكيل الحكومة، بالمدلولين اللغوي والسياسي، له اتجاه واحد، ومرتكز دستوري واضح؛ وحينما يتعذر لتدخل عوامل غير دستورية – حتى من رئيس الحكومة- فإن النتيجة المنطقية هي طلب الإعفاء.

وعليه، فقد كان من الضروري للملك تفعيل إحدى آليات التصحيح، من ضمن أخريات يسمح بها الدستور؛ ويتضمن هذا حتى تصحيح ما هو غير دستوري "البلوكاج"، من أي جهة حصل، بما هو دستوري.

العثماني يُشَبِّك الحكومة:

التشبيك، كما مر معنا، هو غير التشكيل. في التشبيك يحضر تجميع المختلف، المتناقض، والمتنافر.

خلف بنكيران من ورائه ساحة اقتتال شاسعة، بل ساحة معركة طروادة بحصانها، وما حمل.

هل يبدأ من حيث بدأ الأمين العام لحزبه وأخفق؟ هذا غير ممكن لأن الهامش الزمني ضيق، وحتى لو اتسع فهو لا يتسع لبعث معايير ومرتكزات من خارج الدستور، على نهج بنكيران.

لو كان حزب العدالة والتنمية حزب مؤسسات، وقرارات تراتبية لا رجعة فيها، كما كان يدلي بنكيران؛ احتماء من ضغوط خصومه؛ لكان نهج هذا الأخير ملزما للعثماني.

في ساحة الاقتتال أموات وأشلاء وجرحى؛ لكن ليس أمام العثماني إلا المضي قدما في مهمته. ليس الوقت وقت علاج للجرحى ودفن للأموات.

عليه أن يكمل المعركة، بما بقي من فرسان واقفين على أرجلهم. ليس له خيار آخر وإلا نودي " أيها القاضي بقم، قد عزلناك فقم".

ومن هنا، فعمل الأستاذ العثماني عمل تشبيكي، وليس قطعة فنية تشكيلية.

طبعا، في عمق هذه اللوحة العثمانية يكمن تحول مفصلي في أداء الحزب؛ تحول صوب السياسي بدل الديني.

في إحدى كلمات بنكيران الأخيرة، أكد أن حزبه جاء من أجل الإصلاح؛ بمعنى إعمال مرجعيته الدينية. وهذا يؤكد على وجود تيار داخل الحزب يرى – بفعل عوامل متعددة – أن الحزب لا يمكن أن يستمر إلا سياسيا (من سِيد الناس، كما كان يتوهم، إلى بْحالو بْحَال الناس).

طبعا هذه رجة، وفتنة كبرى لحزب كان له طموح كبير، يتجاوز الوطن، إلى "جماعة الإخوان العالمية المكلفة بحكومة المغرب".

لقد انشطرت أحزاب في المغرب، لأقل من هذا؛ فإلى متى سيصمد تيار العدالة في مواجهة تيار التنمية؟

ساحة اقتتال سياسي وطني شاسعة، ولا يحتل حزب العدالة والتنمية إلا زاوية من زواياها.

ومالم نقطع مع المرجعيات العقيمة والمكبلة، وما لم تَعدِل أحزابنا عن اعتبار التقويم والتصحيح عملا دائم التأجيل، وما لم نركن إلى كل التفاصيل التي صنعت نهضة الأمم، فسنظل نتداوى بالتي كانت هي الداء: من تعطيل التشكيل إلى تسريع التشبيك.

لقد سعى بنكيران إلى التشكيل؛ لكن بمدلول التشبيك -خارج البرامج- وها هو العثماني يطالب بتشكيل ما لا وقت إلا لتشبيكه، كما اتفق.




مواضيع ذات صلة


الاتصال بنا

© جميع الحقوق محفوظة 2011
جريدة إلكترونية مستقلة تصدر عن الشركة kafapresse - S.A.R.L
الإيداع القانوني طبقا لقانون الصحافة والنشر المؤرخ بتاريخ 10غشت 2016: عدد 1 - 017 ص ح
Patente : 25718014 - RC : 104901 - I.F : 3370680 - CNSS : 4111829 - ICE : 001799721000071