Hautأعلى الصفحة
الرئيسية
الجمعة 17 نونبر 2017 العدد : 2402

مصطفى غلمان: هل انتصرت براغماتية الملك محمد السادس؟

C??EC?E    ?IE? ?I??C    FaceBook      
رأي
| 10 مارس 2017 - 11:56

بين الملكين الحسن الثاني ومحمد السادس تلاقحات فكرية براغماتية شديدة الإدغام ، تعلو في تشابهاتها من حيث الأهداف وطرق التصريف، وتنخفض في أسلوب ممارساتها وحدودها السياسية والسوسيولوجية.

إنه موضوع يثير أكثر من ملاحظة في مدى الاقتران المفصلي بين سلوكين سياسيين متشعبين ينأيان بالتخطيط السياسي وتدبير الاستراتيجيات لملكين متناسبين في معمار مؤسسة ملكية لها تاريخها ومرجعياتها وسلطات نفوذها وبروتوكولاتها الدقيقة، عن بدهيات التحليل السياسي وطفراته التقييمية ودلالاته في الجوانب المتصلة بمعرفة الثقافة السلطانية لدى الملوك العلويين.

لست هنا من أجل مقاربة أنثروبولوجية تحليلية لسياقات تأطير المرجعيات الديبلوماسية لمرحلتين ثقيلتين من إدارة الدولة المغربية، من حياة ملكين يتبادلان مهام رئاسة المملكة، كل حسب خصوصيته وشخصيته ومرجعياته الفكرية والسياسية، فهذا لا يلائم الرغبة في تحويل الرأي إلى مجرد نظر في تاريخ رجلين من عيار وازن، حولا الحياة السياسية في مغرب ما بعد الاستقلال إلى خلية نحل، فيها ما يحرض على استلهام العبر من لحظات تاريخية حاسمة، وأخرى تتجاسر فيها عوامل التشكيك ومنطف الرؤية الواحدة.

بل إن التفكير أصلا في ما يشبه وضع خطوط أولية لامتداد ملكين مفكرين وإشعاعهما واتساق مفاهيم السياسة لديهما، بغير قليل من التغير والاستنتاج في اتجاه تشكيل الكاريزما وقوة الشخصية ومعرفة المحيط واعتراك الأزمات ومواجهتها بالفريق القيادي المرافق، هو مناط تأطير هذه المحاولة التحليلية لإضاءة الحوافز البراغماتية في محطات ملكين، مع ما يقطع بينهما، إن على المستوى الظرفية الزمنية، أو علاقة كل منهما بتأسيس اللحظات التي عاشاها في زحمة التراشق السياسي لمرحلتين متناقضتين تماما.

فالملك الحسن الثاني يختلف عن الملك محمد السادس فكرا وممارسة، في جوانب "إعادة البناء"، حيث أفكار الحسن الثاني المتعالية الترانسندنتالية، تفصل الفكر عن التجربة العملية، وتضع الحواجز السلطوية الشمولية بديلا للإجراءات الموافقة للإرادة الشعبية أو حماية حقوق الأفراد. وهي خصيصة عاقت الديمقراطية المغربية عن أداء وظيفتها التنموية ردحا من الزمان، وعانت فيها النخب السياسية المعارضة ويلات السجون ودهاليزها.

عندما سئل فريديريك ويسجربر صاحب كتاب " على عتبة المغرب الحديث" عن فعالية التوازن في سلطة السلطان العلوي، وعن تمظهرات الفعل السياسي السلطاني لدى الرأي العام، تحجج بالروافد التاريخية لفهم سلطة السلطنة المغربية، بما هي سلطة لدمج التاريخ بالحضارة والإنسان بالوطن، معللا نظريته باقتران كل الأفعال السلطانية على مر العصور بتقاليد وأعراف تطبعها الانسيابية والاقتدار والرؤية المحايدة. وقال ويسجربر إن تقليد الملوك العلويين بالإمارة الإسلامية فوض لوضعها الرمزي أنماطا عميقة إضافية في الحياة السياسية.

هذه الغمرة الكامنة في فرائدية المقام الملكي وامتيازاته يميط اللثام عن تماسك حصين وهجود محكم للتفاعلية الجديدة التي أرساها الملك محمد السادس، بعد ثمانية عشرة سنة من الحكم، بما هي وسوم مدققة من نسخة القرن الواحد والعشرين، تبدلت فيها طاحونات السياسة العالمية وترسبت جنوحاتها البديلة عن أشكال الحكم التقليداني إلى ما يشبه الوسطية المشوبة بالحذر والتقزيح والمراوغة.

صار الملك محمد السادس بعد تنظيمه الهياكل الجديدة لحكمه الذي أرسى نظريته المواكبة لتطلعات دولة الحق والقانون مجالا موائما لرمزية "السلطة الجديدة"، تأسست المصالحة الوطنية بهيئة الإنصاف والمصالحة وانحرفت شمولية وزارة الداخلية عن تغولها السيكولوجي في ذهنيات النخب وعامة الشعب.

وبالموازاة أعادت الدولة النقاش في العديد من قضايا حقوق الإنسان والمشروع الحداثي الديمقراطي بالرغم من تجاذبات المرجعيات المتباينة.

وبدا المغرب منفتحا على التجارب المطالبة بالحرية الفردية وحرية الاعتقاد والتدين، مخالفا بذلك التصورات القديمة التي كانت ترفض مجرد التلميح.

براغماتية الملك محمد السادس وتحرره الفكري واتساق معارفه وتنوع ثقافته أفرز نوعا جديدا من الانتقال من سلطة السلطة إلى سلطة التفكير، وأذاب الفارق العقلي الذي يخالف المعطى الزمني على حساب السياقات الثقافية والسوسيولوجية السياسية المختلفة.

وأقصى تشفير هذه البراغماتية انشغال الملك محمد السادس بتوثيق اللحظة التاريخية وتنصيبها على رأس أجندة تحركاته المكوكية، ما بين الفعل التنموي الداخلي، الذي يعاني تكلسا خانقا في جانبه السياسي الحزبي، والفعل الديبلوماسي الاستراتيجي الخارجي الذي يراهن على إعادة أحلام المملكة إلى دفتها الطبيعية بالانفتاح على القارة السمراء والعودة لحضن الاتحاد الإفريقي.

بكل جرأة أقول إن براغماتية ودهاء محمد السادس انتصرت على براغماتية ودهاء الحسن الثاني.

قدرة الملك محمد السادس في خلق أنماط مغايرة لطريقة تدبير الحكم بالبلاد، وتحويل صورة الملك من مجرد جالس على العرش إلى دائرة منفتحة لتأثيث مخزون الذاكرة لدى المغاربة، بما يحاصر الحمولة الماضوية الغائبة عن فعل السيرورة، ويسهم في تصحيح الرؤية ويحدد أفق التواصل مع حاملها باتجاه تكريس ديمقراطية حقيقية قادرة على إبادة سوء الفهم الكبير الذي لا يزال يشوش على نظر الأجيال الجديدة من شباب القرن الواحد والعشرين.




مواضيع ذات صلة


الاتصال بنا

© جميع الحقوق محفوظة 2011
جريدة إلكترونية مستقلة تصدر عن الشركة kafapresse - S.A.R.L
الإيداع القانوني طبقا لقانون الصحافة والنشر المؤرخ بتاريخ 10غشت 2016: عدد 1 - 017 ص ح
Patente : 25718014 - RC : 104901 - I.F : 3370680 - CNSS : 4111829 - ICE : 001799721000071