Hautأعلى الصفحة
الرئيسية
عناوين :
فيديوهات
  • المغاربة يشرعون في إخراج زكاة الفطر

  • حريق بدوار تازروت بجماعة أم عزة بضواحي عين العودة

  • حضور المرتضى إعمراشا في جنازة و تشييع جثمان والده بالحسيمة

  • برلماني يستولي على أرض فلاحية بالتزوير

  • فاس : الشرطة تقبض على مجرم و المواطنون يرددون "الصلاة و السلام على رسول الله"

  • قرض بـ 80 مليار سنتيم لإصلاح التعليم بالمغرب

  • بلاغ الحكومة حول نظام صرف مرن و تعويم الدرهم

  • كلمة رئيس الحكومة في افتتاح المجلس الحكومي يوم الخميس 22 يونيو

  • أجي تفهم تحرير سعر صرف الدرهم

  • اعتقال أربعة أشخاص بالصويرة يشتبه في ارتباطهم بمنظمة إرهبية

  • المجلس الوطني لحقوق الإنسان ينظم حفل استقبال بالرباط للاجئين…

  • أكادير: القبض على زعيم عصابة تستعمل فتاة حسناء لاستدراج الضحايا

  • هكذا عبر اللاجئون السوريون عن شكرهم للملك محمد السادس

  • الشباب الملكي ينظم مسيرة بالرباط

  • الشيخ الكوشي يؤم بالملك في ليلة القدر

  • الملك يكافئ طفلا رتل القرآن في حضرته

  • لحظة وصول الملك محمد السادس لمسجد الحسن الثاني لترأس احياء ليلة القدر

  • كراكاج واحتفالية الوداد البيضاوي امام الأهلي المصري

  • بعد التأهل إلى نهائي كأس الجزائر.. لاعبو بلوزداد يحتفلون بالزاكي بطريقة طريفة!

  • بلاغ القصر الملكي : الملك محمد السادس يترأس حفل احياء ليلة القدر المبارك


محمد بنعزيز: صاحب الكابوس
C??EC?E    ?IE? ?I??C    FaceBook      
17 فبراير 2017 - 13:44

بعد انتظار طويل وممل تحت شمس شاحبة وعجاج شديد جاءت الحافلة التي كنت أنتظرها أنا وأبي، وضعنا صندوقي البطاطس والبصل في بطنها وركبنا، أقلع السائق قبل أن نجلس وكاد أبي أن يسقط وهو يحمل الأرانب التي سنبيعها في المدينة..

جلس أبي في الكرسي الذي يوجد جوار الممر ووضع قُفّة الأرانب بين قدميه، جلستُ جوار النافذة ـ خلف السائق الذي ترك يده تعوم في الهواء ـ وألصقت عيني بالزجاج، أتأمل أطفالا يرعون المعز في الحفر المحيطة بالطريق وآخرون يتسابقون بالحمير في ريح قوية... أراقب الفلاحين يحرثون ويزرعون حقولهم الصغيرة، لا أريد أن أفعل مثلهم عندما أكبر، سأدخل المدرسة في المدينة وسأتعلم القراءة، أحمل حقيبتي في ظهري كل صباح وأسير في الطريق الطويل بين أشجار الكاليبتوس، لا أريد البقاء في البادية، أختي ستتزوج وأنا أذهب إلى المدرسة، هكذا تقول أمي، يفكر أبي قليلا ثم يقول لي "الفلاحة قهْرَة أولدي، القراية زينة!".

وقفت الحافلة من جديد وركب فلاحون جدد، لم يجدوا مقاعد فبقوا واقفين، يحملون جلابيبهم النظيفة التي سيلبسونها في المدينة ويمسكون ديكة تلهث ورؤوسها إلى الأسفل، لم أوصِ أمي بأن تجمع بيض دجاجتي حتى أعود، لا بد أن أختي ستأخذ بيضتي اليوم، لكن لا يمكن أن أترك المدرسة في سبيل بيضة، أبي يقول "اللي بغى يطفرها (يربح) يقرا"، تحرك أمي رأسها موافقة وتنظر أختي حولها مرتبكة وهي تعرف أنها لن تأتي معي.

قبل أن نغادر البيت دعت لي أمي بالنجاح، قبلتني ودمعت عيناها، وضعت الصندوقين على ظهر حمارنا الأشهب وجئنا إلى الطريق، أنزلتُ حاجياتنا وردت أختي الحمار إلى البيت، بقيت أنا وأبي ننتظر حتى جاءت حافلة تشبه براكتنا، ركبنا وانطلقت وقد اشتدت الريح، أبي ينظر إلى الطريق كأنه غاضب، يخاف أن تموت الأرانب بسبب الحرارة قبل ان نصل السوق، أريد أن نصل بسرعة لنبيعها وأشتري حذائي الأول، ألبسه كي لا يلمس الطين قدماي أبدا، أحمل محفظة فيها دفاتر وأحفظ النشيد، لكن لن ألعب مع أختي من جديد، لن أرشها في عاشوراء بالكابوس المملوء بالماء البارد، ذلك الكابوس (المسدس) الاخضر الشفاف الذي اشتراه لي أبي من السوق، ينفلت منه الماء متفرقا كالرذاذ، أضعه تحت وسادتي ليلا وأسقي به الأعشاب الصغيرة النامية على الجدار في الصباح...

"انتهى زمن اللعب" قالت أمي ثم شرحت لي أن أبي لن يستطيع أن يشتري لي الدفاتر والكابوس والحذاء دفعة واحدة، ستبقى أختي وحدها، لن تجد من يساعدها وقد كنا نتعاون في كل شيء: نحش الأقحوان ونعطيه للحمار، يلتهمه ولا يشمه، أبي يقول "الحمار لا يعرف الأقحوان". نقطف الفلفل ونجمعه في أكياس الخيش، نبيع حُزَمَ النّعناع دون علم وأبي لنشتري الحلوى، لكن لم نكن نلعب كثيرا، لا يتركني أبي ألعب مع أختي، دائما يقول "العمل...العمل!!"، نستخرج الماء من البئر بالناعورة التي يديرها الحمار، نزرع الطماطم والجزر والذرة...

لا أريد أن يدوم هذا إلى الأبد، لا أريد أن أمسك عَتَلَتي مرة أخرى، ما أن أتذكرها حتى أشعر بألم في ظهري، لا أريد أن ترعى أختي معزتين وبقرة من الصباح حتى المساء، ثم تجني معي الطماطم في الليل إذا كان مقمرا، وغالبا ما كنا ننام بين الأغصان من شدة التعب، ويأتي أبي ليحملنا إلى البيت...

كانت الحافلة تسير بسرعة وتتزعزع بشدة كلما وقعت عجلاتها في حفرة من حفر الطريق، يرتج دماغي وأكاد أتقيأ، أشعر بالاختناق، أردت إخراج يدي من النافذة، لكن الزجاج مغلق، فيه خطوط بيضاء متناسقة، عندما سأعود من المدرسة في المرة القادمة سأعرف ما هذه الخطوط وماذا تقول...

وفجأة، وبعد منعطف شديد وقفت الحافلة، انتصب أمامنا رجل بملابس ذات لون واحد يحمل كابوسا في حزامه، كابوس أسود في غمد أبيض، أسكت السائق المذياع وجمد يده التي كانت تعوم في الهواء، صمت الركاب وبدؤوا يشرئبون بأعناقهم، أحسست بالخوف وبتصاعد الحرارة في الحافلة، اشتد خوف أبي على الأرانب، قد تموت في القفة ولا أشتري الحذاء أبدا، حولت نظري إلى النافذة، أصحاب الكوابيس يصرخون وسائقي الشاحنات يرجمونهم بأحجار ملفوفة في أوراق ملونة.

دار صاحب الكابوس ببطنه المتدلي حول الحافلة ثم بدأ يشير إلى الزجاج بعصبية، نظرت إلى وجوه الركاب فلاحظت أنهم يتغامزون، لكزني أبي بذراعه لأنظر أمامي فقط، لم أستطع وتابعت صاحب الكابوس وهو يقترب، قال للسائق "لماذا لم تمسح الزجاج!"

حرك السائق رأسه موافقا، أدخل يده من النافذة ثم أخرجها، أطلق ورقة ملونة من يده، انسابت الورقة في الهواء، أراد صاحب الكابوس أن يمسكها بأظافره الطويلة فحملتها الريح، جرى خلفها فجرت أكثر، نزع حذاءه واستمر في الجري، يجري مثل الهواء، طارت الورقة فحول يديه إلى جناحين يرفرف بهما ليمسك الورقة التي تسبح في الريح... طارا عاليا عاليا في السماء والسائق ينظر وينتظر إلى أن اختفى صاحب الكابوس في الأفق فتحركت الحافلة لأذهب إلى المدرسة.




مواضيع ذات صلة