Hautأعلى الصفحة
الرئيسية
الإثنين 20 نونبر 2017 العدد : 2405

الكتاب المدرسي والمنهج التعليمي يعترضان اكتساب اللغات الأجنبية

C??EC?E    ?IE? ?I??C    FaceBook      
محمد الحلوي
قضايا
| 02 فبراير 2017 - 23:54

اكتساب الأطفال للغات الأجنبية الوظيفية (كالإنجليزية والفرنسية) في المدارس الوطنية مشكلة حقيقية يحس بها الآباء بشكل ملموس ويعانونها؛ لأنهم يلاحظون كيف تتعقد المواد الدراسية في المناهج الدراسية المخصصة للغات الأجنبية سنةً بعد سنة، دون أن يتطور مستوى أبنائهم في هذه اللغات بالشكل المطلوب.

وتزداد الوضعية تعقُّدا عندما لا تسمح مشاغل الآباء بدعم اكتساب أبنائهم لهذه اللغات، أو عندما لا يجيدون هم أيضا هذه اللغات، أو عندما لا تسمح وضعيتهم المادية بتسجيل أبنائهم في مدارس البعثات الأجنبية، حيث يحقق التلاميذ نتائج أفضل في اكتساب اللغات الأجنبية.

وجملة ما أريد أن أبينه في هذا المقال هو أن هناك مشكلتين اثنتين تعترضان تدريس اللغات الأجنبية الوظيفية في بلدنا سأسميهما بمشكلة "الكتاب المدرسي" ومشكلة "المنهج الدراسي"، وبأن تحسين مردود تدريس اللغات الأجنبية الوظيفية رهين بالتعامل مع هاتين المشكلتين.

أريد فقط أن أوضح، قبل أن أشرح هاتين المشكلتين، أن المقصود باللغة "الأجنبية الوظيفية" في هذا المقال تلك اللغة التي ليست لغة أمّا؛ ولكننا نحتاجها في الحياة الدراسية أو المهنية أو كليهما، كالفرنسية والإنجليزية.

أولاـ مشكلة "الكتاب المدرسي"

من المشاكل التي تعوق جودة تدريس اللغات الأجنبية الوظيفية في المغرب (الفرنسية والإنجليزية) أن العديد من الكتب المدرسية Coursebooks التي تستخدم في الفصول الدراسية ليست كتبا لتدريس هذه اللغات للتلاميذ الذين لا تُعتبر هذه اللغات لغةً أمّاً بالنسبة إليهم. "اللغة الأم" هي اللغة التي يكتسبها الطفل (بِيُسرٍ نسبي وبدون بذل أي جهد خاص) بين سن 3 أشهر و5 سنوات في وسط أسري؛ فالعديد من الكتب المدرسية التي تُستعمل في فصولنا الدراسية صُمّمت أصلا من أجل التلاميذ، الذين تُعتبر اللغة المُدرّسة في هذه الكتب هي لغتهم الأم. من الأمثلة الواضحة على ذلك منهاج تدريس اللغة الفرنسية الذي يسمى بـParcours ، فإذا فحصنا مستوى CM1 في هذا المنهاج (الموجه إلى التلاميذ من فئة ما بين 9 سنوات إلى 10 سنوات) سنجد أن أهدافه التعليمية ليست هي دعم تعلُّم اللغة الفرنسية، وهو ما يحتاجه التلاميذ بالفعل في هذا المستوى، بل تمكين الطفل من فهم النصوص بمختلف أنواعها والتحكم فيها بالمقارنة والتحليل والترتيب، وفهم التعاريف وصيغ القواعد النحوية. وهذا بالضبط ما يحتاجه التلميذ الفرنسي الذي لغته الأم هي الفرنسية. فلا يحتاج إلى دعم تعلمه للفرنسية، لأنه مدعم باكتسابه الطبيعي لها، بل يحتاج إلى الوعي بقواعد لغته الأم واستخدامها في قراءة النصوص وفهمها والتحكم في مضامينها.

من النتائج المُدمّرة بيداغوجيا لاستعمال هذه الكتب المدرسية غير المناسبة أن كل نص من النصوص المدرّسة فيه يستعمل ما يجاوز 70% من المفردات المعجمية التي لا يفهمها التلميذ أصلا (بل أحيانا لا يفهمها أستاذه أيضا!)؛ وذلك لأن واضع المنهاج يفترض أن التلميذ، الذي صُمِّم له هذا الكتاب، أي التلميذ الفرنسي، يفهم أكثر من 90% منها. ومن النتائج السلبية أيضا أن التلميذ يبني شيئا فشيئا موقفا من نفسه مقتضاه "أني حالة ميؤوسة منها، ولن أستطيع تعلم هذه اللغة أبدا". والنتيجة الثالثة هي أن المدرس يضطر، مع تضخم المادة المدرّسة والعجز التام للتلميذ على تعلمها، إلى المرور عليها بسرعة أو التركيز على أسهلها أو القفز عليها للدرس الموالي، خصوصا مع ما يفرضه إكراه محدودية الحصيص الزمني المخصص لتدريس المادة.

ثانياـ مشكلة "المنهج الدراسي"

المشكلة الثانية تكمن في مناهج تدريس اللغات الأجنبية الوظيفية. تنبني مناهج تدريس اللغات على مسلمة بسيطة (ولكن فعالة) مقتضاها أن أفضل طريقة لتعلم اللغة هو تدريسها بمنهج قريب من الطريقة التي اكتسبنا بها لغتنا الأم. من ذلك مثلا تقنيات "الاستجابة البدنية التامة" Total Physical Response (TPR) لصاحبها عالم النفس الأمريكي جيمس آشر (من جامعة سان جوزي)، والتي تنبني على فكرة مهمة مفادها أنه لا ينبغي أن نطلب من متعلم اللغة أو أن نتوقع منه أو نفرض عليه أن ينتج (= يتكلم أو يكتب) في المراحل الأولى لتعلمه؛ فدور التدريس في المراحل الأولى للغة هو فقط وضع المتعلم في سياقات دالة Meaningful يتلقّى فيها أكبر عدد ممكن من المحفّزات اللغوية الدالة (كالحوارات المُصممة بشكل جيد)، وأن نمكنه، باستعمال تقنيات "كسر الشفرات" Code-breaking (كتقنية "الاختيارات المتعددة الموجّهة") من أن يفهم هذه المحفزات اللغوية.

والفكرة الثانية التي تنبني عليها مقاربة TPR أن المحفزات اللغوية التي "نُعرّض" لها متعلم اللغة يجب أن تكون من النوع الذي يوجه بدنه على نحو مخصوص، كأن تقول له "اجلس هنا" و"خذ التفاحة"، إلخ. وتنبني هذه المقاربة على ملاحظة فحواها أن هذا ما يحدث بالفعل عندما يكتسب الطفل لغته الأم: ففي السنوات الأولى يكتفي الطفل بالاستجابة بدنيا لتوجيه المُربّي (الأم مثلا) الذي يوجه إليه أوامر مثل: "مُدّ يدك" و"افتح فاك" و"كل هذا"، إلخ... فاللغة لا تكتسب بالقدرات العصبية (النيورولوجية) نفسها التي نستعملها في تعلم الرياضيات أو التاريخ. ومن ثم، لا يحتاج متعلم اللغة إلى ذلك الكم الهائل (وغير المفيد) من القواعد النحوية التي نقصف بها متعلمي اللغة وندفعهم دفعا إلى حفظها؛ لأن اكتساب اللغة لا يحتاج سوى إلى "تعريض" المتعلم لمحفزات لغوية يختارها الأخصائيون بدقة وعناية، يوجهون بها بدن المتعلم بشكل مستمر، فـ"تتفتّق" قدرة المتعلمة على استعمال تلك اللغة بعد 6 أشهر من تدريسها بشكل طبيعي (لا تكلّف فيه) وتلقائي (لا تمحُّل فيه) ومتحرر من قلق التعلم anxiety-free لا خوف فيه من سخرية رفاق الفصل.

والغريب هو أن المدارس المغربية، عامّها وخاصّها، لم تدمج هذه المناهج التي أثبتت فعاليتها بشكل ملحوظ، بالرغم من أنها لا تحتاج إلى إمكانات خاصة أو تيكنولوجيا باهظة الثمن.

ومن مظاهر مشكلة مناهج تدريس اللغة أيضا أن المضامين المدرسة تكون عادة متمحورة حول النصوص المكتوبة، ولا تستعمل المحفزات الشفوية إلا عرضاً. ولا ينبغي أن يتوهم المرء أنه يكفي لخلق تحفيز شفهي أن يتكلم المدرس في الفصل ويطيل الكلام؛ ففي هذا تحكُّم في التدريس مذموم قد يوقع التلاميذ في الملل، أو أن يدعوهم بين الفينة والأخرى إلى مشاهدة فيلم أو الاستمتاع بأغنية جميلة، فالمحفزات الشفهية لا تكون مثمرة بيداغوجيا إلا إذا أُدمجت في بداية كل وحدة دراسية وكان شكلها (مبانيها، تراكيبها، معجمها، إلخ) ومضمونها مرتبطين بشكل طبيعي (لا تكلّف فيه ولا تصنّع ولا تمحُّل) بالصيغ والمضامين المدرسة في الوحدة.

خلاصة

مشكلة تدريس اللغات الأجنبية الوظيفية في المغرب مشكلة حقيقية خطيرة يجب أن يتناولها المتخصصون في مناهج تدريس اللغات (وليس البيداغوجيون أو علماء التربية فقط) بصفتها مشكلة قائمة الذات، وليس بصفتها مشكلة تربوية عامة كبقية المشاكل التربوية الأخرى.




مواضيع ذات صلة


الاتصال بنا

© جميع الحقوق محفوظة 2011
جريدة إلكترونية مستقلة تصدر عن الشركة kafapresse - S.A.R.L
الإيداع القانوني طبقا لقانون الصحافة والنشر المؤرخ بتاريخ 10غشت 2016: عدد 1 - 017 ص ح
Patente : 25718014 - RC : 104901 - I.F : 3370680 - CNSS : 4111829 - ICE : 001799721000071